ابن قيم الجوزية
447
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
و سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ جملة محكية . قال الزمخشري : وتركنا عليه في الآخرين من الأمم . هذه الكلمة - وهي سَلامٌ عَلى نُوحٍ - يعني يسلمون عليه تسليما . ويدعون له ، وهو من الكلام المحكي ، كقولك : قرأت : سورة أنزلناها . الخامس : أنه قال : سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ فأخبر سبحانه أن هذا السلام عليه في العالمين ، ومعلوم أن هذا السلام فيهم هو سلام العالمين عليه ، كلهم يسلم عليه ، ويثني عليه ، ويدعو له . فذكره بالسلام عليه فيهم . وأما سلام اللّه سبحانه عليه . فليس مقيدا بهم ، ولهذا لا يشرع أن يسأل اللّه تعالى مثل ذلك : فلا يقال : السلام على رسول اللّه في العالمين ، ولا : اللهم سلم على رسولك في العالمين ، ولو كان هذا هو سلام اللّه لشرع أن يطلب من اللّه على الوجه الذي سلم به . وأما قولهم : إن اللّه سلم عليه في العالمين . وترك عليه في الآخرين . فاللّه سبحانه وتعالى أبقى على أنبيائه ورسله سلاما وثناء حسنا فيمن تأخر بعدهم ، جزاء على صبرهم وتبليغهم رسالات ربهم ، واحتمالهم للأذى من أممهم في اللّه . وأخبر أن هذا المتروك على نوح هو عام في العالمين ، وأن هذه التحية ثابتة فيهم جميعا ، لا يخلون منها . فأدامها عليه في الملائكة والثقلين طبقا بعد طبق ، وعالما بعد عالم مجازاة لنوح عليه السلام بصبره ، وقيامه بحق ربه ، وبأنه أول رسول أرسله إلى أهل الأرض . وكل المرسلين بعده بعثوا بدينه ، كما قال تعالى : 42 : 13 شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً الآية . وقولهم : إن هذا قول ابن عباس ، فقد تقدم . أن ابن عباس وغيره : إنما أرادوا بذلك أن السلام عليهم من الثناء الحسن ولسان الصدق . فذكروا بمعنى السلام عليه وفائدته . واللّه سبحانه أعلم .